قال خبير الأمن الغذائي ومستشار السياسات الإقليمي لشمال أفريقيا والشرق الأدنى في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (
الفاو)، الدكتور فاضل الزعبي، إن "
المساعدات الغذائية التي تصل إلى
غزة لا تغطي سوى أقل من 5% من الاحتياجات الفعلية للسكان، رغم مرور أسابيع على وقف إطلاق النار"، موضحا أن "حجم التدفق الحالي لا يوازي الانهيار الواسع في القدرة الإنتاجية وارتفاع معدلات الفقر والنزوح، ما يُبقي الوضع في دائرة الطوارئ الإنسانية الحرجة".
وأشار الزعبي، في مقابلة خاصة ومطوّلة مع "عربي21"، إلى أن "وقف إطلاق النار أتاح بعض الانفراج الهزيل (في دخول المساعدات)، لكنه لم يغيّر حقيقة أن الأمن الغذائي في غزة ما زال هشا للغاية، ويعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، مع استمرار خطر المجاعة إذا لم تُرفع القيود ويُعزّز التمويل الدولي".
وذكر الزعبي أن "مؤشرات التصنيف المرحلي المتكامل (IPC) تُظهر أن غزة تواجه فعليا خطر المجاعة؛ إذ يحصل الفرد في كثير من الأحيان على أقل من 1,350 سعرة حرارية يوميا، مقابل حدّ أدنى يبلغ 2,200 سعرة"، مشير إلى "غياب أصناف أساسية عن الأسواق، وتسجيل حالات متزايدة من سوء التغذية بين الأطفال والنساء في ظل محدودية البدائل المحلية".
وأكد الزعبي أنه "بعد الحرب، ومع تدمير البنية التحتية وارتفاع معدلات النزوح والفقر، ارتفع احتياج أهالي غزة للمساعدات إلى أكثر من 600 شاحنة يوميا، لأن السكان فقدوا القدرة على الإنتاج المحلي وأصبحوا يعتمدون بالكامل على المساعدات"، مُشدّدا على ضرورة "وقف استخدام الغذاء كسلاح، وتحويل الإغاثة من تدفق متقطع إلى منظومة ثابتة تضمن الوصول العادل للفقراء والأكثر هشاشة".
وإلى نص المقابلة المطوّلة مع "عربي21":
كيف تقيّمون حاليا منظومة الأمن الغذائي في قطاع غزة بعد مرور نحو شهر ونصف على اتفاق وقف إطلاق النار؟ وما أبرز المؤشرات التي تعتمدون عليها في هذا التقييم؟
بعد مرور نحو شهر ونصف على اتفاق وقف إطلاق النار، ما تزال منظومة الأمن الغذائي في قطاع غزة تعاني هشاشة شديدة رغم بعض التحسن النسبي المتواضع جدا في تدفق المساعدات. دخول المواد الغذائية أصبح أكثر انتظاما، وارتفع إنتاج المطابخ المجتمعية والطرود الغذائية، لكن حجم الاستجابة ما زال أقل بكثير من حجم الاحتياجات، وهو ما يجعل الوضع أقرب إلى حالة طوارئ إنسانية مستمرة حيث لم تصل الاستجابة إلى 5% من المطلوب.
نعتمد في ذلك على مؤشرات أساسية أبرزها حجم المساعدات اليومية التي تصل إلى السكان، ومدى قدرة الأسر على الوصول إلى الأسواق والسلع الأساسية، إضافة إلى معدلات سوء التغذية خاصة بين الأطفال والنساء، وأيضا قدرة المجتمع المحلي على الصمود، أي وجود مخزون غذائي أو قدرة على الشراء، إلى جانب الظروف المعيشية المرافقة مثل المأوى والمياه والصرف الصحي، التي تؤثر مباشرة على الأمن الغذائي.
إن وقف إطلاق النار أتاح بعض الانفراج الهزيل، لكنه لم يغيّر حقيقة أن الأمن الغذائي في غزة ما زال هشا للغاية، ويعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، مع استمرار خطر المجاعة إذا لم تُرفع القيود ويُعزّز التمويل الدولي.
ما أبرز هذه أشكال استمرار "حرب التجويع" في غزة؟ وهل يمكن اعتبار منع الغذاء سلاحا منظما وفق القانون الدولي؟
إن استمرار ما يُعرف بـ "حرب التجويع" في غزة يتخذ أشكالا متعددة، تبدأ من القيود المفروضة على دخول المواد الغذائية الأساسية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، مرورا بتدمير البنية التحتية الزراعية والمخازن والأسواق، وصولا إلى منع الوقود والمواد اللازمة للتخزين والنقل، وهو ما يقطع سلاسل الإمداد ويجعل الحصول على الغذاء شبه مستحيل. هذه الممارسات لا تقتصر على الحرمان المباشر من الغذاء، بل تمتد إلى خلق بيئة اقتصادية ومعيشية خانقة تجعل الأمن الغذائي هشا للغاية.
من الناحية القانونية، فإن منع الغذاء عن المدنيين واستخدامه كوسيلة ضغط أو عقاب يُعتبر شكلا من أشكال الحرب المنظمة، وهو محظور صراحة بموجب القانون الدولي الإنساني؛ فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 نصّ في مادته الخامسة والعشرين على حق كل إنسان في مستوى معيشي يكفل له ولأسرته الغذاء الكافي، فيما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 في مادته الحادية عشرة على "الحق الأساسي في التحرر من الجوع". كما أوضحت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم 12 أن الحق في الغذاء يعني الوصول المنتظم والدائم إلى غذاء كافٍ من حيث الكمية والنوعية، يضمن حياة كريمة خالية من الخوف.
أما القانون الدولي الإنساني، فقد جاء أكثر وضوحا في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، حيث نصّت المادة 54 على حظر استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. ويؤكد القانون الدولي العرفي أن هذا الحظر قاعدة ملزمة لجميع الأطراف، وأن انتهاكه يُصنّف ضمن الجرائم الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب.
بناءً على ذلك، فإن منع الغذاء أو استخدامه كسلاح يدخل في إطار انتهاك جسيم للقانون الدولي، ويضع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية للتدخل وضمان وصول الغذاء إلى المدنيين باعتباره حقا أساسيا غير قابل للتفاوض.
إلى أي مدى أثّر تدمير البنية التحتية الزراعية - من أراض وآبار وبيوت بلاستيكية ومخازن - على القدرة المستقبلية للقطاع على إنتاج الغذاء محليا؟
تدمير البنية التحتية الزراعية في غزة ترك أثرا بالغا على القدرة المستقبلية للقطاع على إنتاج الغذاء محليا؛ فالأراضي الزراعية التي كانت تُشكّل مصدرا رئيسيا للخضروات والفواكه باتت غير صالحة للاستغلال بسبب القصف والتجريف، فيما أدى تدمير الآبار إلى حرمان المزارعين من المياه اللازمة للري، وهو ما يضاعف من أزمة ندرة المياه في الأصل.
البيوت البلاستيكية التي كانت توفر إنتاجا مستمرا على مدار العام تعرضت للدمار، ما يعني فقدان القدرة على إنتاج محاصيل عالية القيمة في مواسم غير تقليدية. أما المخازن ومرافق التخزين فقد تضررت بشكل كبير، وهو ما يقطع سلاسل الإمداد ويمنع المزارعين من حفظ منتجاتهم أو تسويقها بشكل منظم.
هذه الخسائر لا تعني فقط توقف الإنتاج الحالي، بل تهدد أيضا مستقبل الأمن الغذائي المحلي؛ إذ إن إعادة بناء هذه البنية التحتية تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل، في ظل استمرار القيود على دخول المواد والمعدات. النتيجة هي اعتماد شبه كامل على المساعدات الغذائية، وتراجع القدرة على تحقيق أي درجة من الاكتفاء الذاتي في المدى المنظور.
اظهار أخبار متعلقة
هل يواجه سكان غزة خطر المجاعة وفقا لمؤشرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)؟ وما العوامل التي قد تدفع الوضع إلى المستوى الأخطر؟
وفقا لمؤشرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يواجه سكان غزة بالفعل خطر المجاعة، حيث تم تصنيف أجزاء واسعة من القطاع في المرحلة الخامسة (كارثية) أو على حافة الدخول إليها. هذا يعني أن هناك فئات من السكان تعيش ظروفا تُعرّف دوليا بأنها مجاعة، مع انعدام شبه كامل للقدرة على الحصول على الغذاء الكافي، وارتفاع معدلات سوء التغذية والوفيات المرتبطة بالجوع.
العوامل التي قد تدفع الوضع إلى المستوى الأخطر متعددة، أبرزها استمرار القيود على دخول المواد الغذائية والوقود، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر ضعفا. كما أن تدمير البنية التحتية الزراعية والمخازن والأسواق يجعل من المستحيل تقريبا إعادة تشغيل الإنتاج المحلي في المدى القريب. يضاف إلى ذلك انهيار القدرة الشرائية للأسر بسبب البطالة والفقر، ما يجعل حتى السلع القليلة المتوفرة في الأسواق بعيدة المنال.
إلى جانب ذلك، فإن الظروف المعيشية القاسية مع دخول فصل الشتاء - من ضعف المأوى، وانقطاع المياه، وتدهور شبكات الصرف الصحي - تزيد من هشاشة الأمن الغذائي وتضاعف مخاطر سوء التغذية والأوبئة. استمرار هذه العوامل دون تدخل دولي عاجل سيؤدي إلى توسع نطاق المجاعة، وتحولها من جيوب محدودة إلى أزمة جماعية تهدد حياة مئات الآلاف.
في ظل محدودية دخول المواد الغذائية بشكل كبير إلى قطاع غزة، ما الأصناف الأساسية المفقودة كليا أو شبه المفقودة من الأسواق؟ وهل توجد بدائل محلية يمكن الاعتماد عليها؟
للأسف هناك أصناف أساسية باتت مفقودة كليا أو شبه مفقودة من الأسواق. من أبرزها اللحوم الطازجة والدواجن نتيجة توقف سلاسل الإنتاج المحلي، إضافة إلى منتجات الألبان والأجبان التي تعتمد على مدخلات لم تعد متوفرة. كما أن الزيوت النباتية، السكر، والدقيق عالي الجودة أصبحت نادرة، فيما تراجعت بشدة وفرة الخضروات والفواكه المستوردة التي كانت تغطي جزءا من احتياجات السكان.
أما البدائل المحلية، فهي محدودة للغاية. بعض المزارعين يحاولون إعادة تشغيل إنتاج بسيط من الخضروات الورقية أو محاصيل موسمية صغيرة باستخدام ما تبقى من الأراضي والآبار، لكن هذه الكميات لا تكفي لتغطية الطلب. كذلك، يعتمد السكان على الخبز المصنوع من دقيق أقل جودة أو ممزوج ببدائل، وعلى المعلبات والمساعدات الغذائية التي تدخل عبر المنظمات الإنسانية. هذه البدائل تُسهم في سد فجوة مؤقتة، لكنها لا توفر تنوعا غذائيا ولا تضمن الأمن الغذائي المستدام.
إن الأسواق في غزة تعاني من فراغ واضح في الأصناف الأساسية، والاعتماد على البدائل المحلية أو المساعدات لا يمكن أن يُشكّل حلا طويل الأمد، بل مجرد استجابة إسعافية لحالة طوارئ إنسانية محدودة لا أثر لها.
كيف تقيّمون جودة وسلامة الأغذية التي يتم إدخالها حاليا عبر المعابر؟ وهل تتوافر آليات رقابية تضمن سلامة ما يتم توزيعه على السكان؟
جودة وسلامة الأغذية التي تدخل عبر المعابر ما تزال محل قلق؛ إذ أن معظمها يصل في ظروف تخزين ونقل صعبة، ما يعرّضها للتلف أو فقدان قيمتها الغذائية. الرقابة الصحية والآليات التنظيمية محدودة للغاية بسبب القيود المفروضة على عمل المؤسسات المحلية والدولية، وبالتالي فإن ما يتم توزيعه يعتمد بدرجة كبيرة على ثقة السكان بالمنظمات الإنسانية، لا على منظومة رقابية متكاملة تضمن السلامة بشكل دائم.
ما حجم الفجوة الغذائية اليومية التي يعانيها سكان القطاع؟ وهل يمكن تقدير متوسط ما يحصل عليه الفرد من السعرات الحرارية مقارنة بالحد الأدنى اللازم للبقاء؟
تشير التقديرات الإنسانية إلى أن سكان غزة يعانون من فجوة غذائية يومية كبيرة؛ إذ إن ما يصلهم من مساعدات ومواد غذائية لا يغطي سوى جزء محدود من احتياجاتهم. في كثير من الحالات، يحصل الفرد على أقل من 1,350 سعرة حرارية يوميا، بينما الحد الأدنى اللازم للبقاء وفق معايير منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي يقارب 2,200 سعرة حرارية يوميا. هذا يعني أن هناك عجزا يوميا يتراوح بين 800 إلى 900 سعرة للفرد، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء.
هذه الفجوة لا ترتبط فقط بكمية الغذاء، بل أيضا بنوعيته؛ إذ إن معظم ما يتوفر حاليا يقتصر على الخبز والمعلبات وبعض الخضروات الورقية، فيما تغيب البروتينات الحيوانية ومنتجات الألبان والزيوت بشكل شبه كامل. النتيجة هي نظام غذائي فقير لا يلبّي الاحتياجات الأساسية للنمو والصحة، ويضع السكان على حافة المجاعة إذا لم يتم سد هذه الفجوة سريعا.
إلى أي مدى يتأثر الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات بالوضع الغذائي الحالي في غزة؟ وهل رصدتم مؤشرات سوء تغذية حاد أو متوسط بين هذه الفئات؟
الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات هم الأكثر تأثرا بالوضع الغذائي الحالي في غزة؛ إذ إن الفجوة الكبيرة في السعرات الحرارية ونقص الأصناف الأساسية تنعكس مباشرة على صحتهم ونموهم. الأطفال يعانون من ضعف المناعة وزيادة معدلات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، فيما تواجه النساء الحوامل خطر الولادات المبكرة ومضاعفات صحية بسبب نقص البروتينات والفيتامينات الضرورية. أما المرضعات، فإن ضعف التغذية يقلل من قدرتهم على توفير الحليب الكافي، ما يضاعف معاناة الرضع.
التقارير الإنسانية الأخيرة رصدت بالفعل مؤشرات واضحة على سوء تغذية متوسط وحاد بين هذه الفئات، خاصة في المناطق الأكثر تضررا، والتي يصعب وصول المساعدات إليها. ارتفاع معدلات الهزال بين الأطفال، ونقص الوزن عند الولادة، وتراجع مستويات الحديد والفيتامينات بين النساء، كلها مؤشرات تؤكد أن الأزمة الغذائية في غزة تجاوزت حدود الطوارئ لتصبح تهديدا مباشرا للحياة.
كيف أثّرت أزمة المياه وانقطاع الكهرباء على القدرة على تخزين الطعام أو طهيه، وبالتالي على الأمن الغذائي للأسر؟
أزمة المياه وانقطاع الكهرباء في غزة تركت أثرا مباشرا على قدرة الأسر على تخزين الطعام أو طهيه، وهو ما انعكس بشكل خطير على الأمن الغذائي؛ فغياب الكهرباء يعني توقف عمل الثلاجات والمجمدات، وبالتالي تلف الأغذية القابلة للتخزين خلال ساعات قليلة، ما يجبر الأسر على استهلاك ما يتوفر فورا أو الاعتماد على المعلبات التي لا تحتاج إلى تبريد.
أما أزمة المياه، فقد جعلت من الصعب غسل الطعام أو تحضيره بطريقة آمنة، كما حدّت من قدرة الأسر على الطهي؛ حيث أن الماء عنصر أساسي في إعداد معظم الوجبات. هذا الوضع أدى إلى تراجع التنوع الغذائي، وزيادة الاعتماد على أصناف بسيطة وذات قيمة غذائية محدودة، مثل الخبز والمعلبات، وهو ما يفاقم سوء التغذية خاصة بين الأطفال والنساء.
إن انقطاع الكهرباء وندرة المياه لا يقتصران على تعطيل الحياة اليومية، بل يضربان في عمق الأمن الغذائي، حيث يفقد السكان القدرة على حفظ الطعام أو تحضيره بشكل صحي، ما يجعل الأزمة الغذائية أكثر حدة واستمرارية.
اظهار أخبار متعلقة
هناك تقارير عن انتشار أمراض مرتبطة بسوء التغذية أو الغذاء غير السليم.. إلى أي مدى يُشكّل هذا الأمر خطرا موازيا لنقص الغذاء نفسه؟
انتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية أو الغذاء غير السليم في غزة يُشكّل خطرا موازيا لنقص الغذاء نفسه، بل إنه في كثير من الحالات يزيد من حدّة الأزمة؛ فحين يحصل السكان على غذاء غير كافٍ أو منخفض الجودة، تتراجع المناعة بشكل كبير، ما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية والأوبئة.
الأطفال على وجه الخصوص يعانون من الهزال ونقص الفيتامينات، وهو ما يؤدي إلى أمراض مثل الأنيميا وضعف النمو، بينما تواجه النساء الحوامل والمرضعات مضاعفات صحية خطيرة بسبب نقص العناصر الأساسية.
كما أن الظروف الصحية المتدهورة، من انقطاع المياه النظيفة وضعف شبكات الصرف الصحي، تجعل الغذاء غير السليم مصدرا مباشرا للتسمم والأمراض المعوية، وهو ما يضاعف معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع. بهذا المعنى، فإن سوء التغذية لا يُعد مجرد انعكاس لنقص الغذاء، بل يتحول إلى أزمة صحية متكاملة تهدد حياة السكان وتترك آثارا طويلة الأمد على المجتمع.
على مستوى التدخلات الطارئة، ما الإجراءات الأكثر إلحاحا من وجهة نظركم لضمان تدفق مستمر وآمن للغذاء إلى غزة؟
الإجراءات الأكثر إلحاحا تبدأ بضمان وصول منتظم وقابل للتنبؤ للمساعدات الغذائية عبر معابر فعّالة وخطوط إمداد آمنة، مع ترتيبات واضحة لعدم الاستهداف والتنسيق الميداني، وتحديد حد أدنى يومي لدخول الشاحنات يتناسب مع الاحتياج الفعلي، إضافة إلى إدخال الوقود بشكل مستمر لتشغيل الأفران والمستودعات وسلسلة التبريد. هذا الأساس اللوجستي هو ما يحوّل التدفق من "دفعات متقطعة" إلى تيار ثابت يمكن البناء عليه.
توازيا، يجب إعادة تشغيل الأفران والمطابخ المجتمعية بدعم مباشر (دقيق، ووقود، وصيانة)، وتوسيع شبكات التوزيع القريبة من الأسر الأشد ضعفا، مع حزم غذائية تركز على البروتينات والدهون الأساسية لا على الكربوهيدرات وحدها. كما يلزم توسيع برامج التغذية العلاجية والوقائية للأطفال دون الخامسة والحوامل والمرضعات (أغذية جاهزة علاجية، مكملات دقيقة العناصر)، وإدخال مياه صالحة للشرب ومواد التعقيم لضمان سلامة التحضير والاستهلاك.
على مستوى السوق، المطلوب حقن سريع لسلع أساسية بأسعار مدعومة، وتفعيل تحويلات نقدية أو قسائم إلكترونية حيثما أمكن لتمكين الأسر من الاختيار وتنشيط شبكات التجار المحليين، مع رقابة صحية وجودة داخل نقاط التوزيع والمخابز ومخازن التبريد. ويُستكمل ذلك بإنشاء غرفة تنسيق عملياتية مشتركة (إنسانية–لوجستية) تصدر مؤشرات يومية للتدفق والجودة، وتُفعل آليات الشكاوى المجتمعية لضبط الانحرافات بسرعة.
من دون ممرات آمنة ومتواصلة، وقود مضمون، وإعادة تشغيل الأفران وسلسلة التبريد مع تغذية علاجية موجّهة للفئات الأشد هشاشة، سيبقى التدفق الغذائي هشا ومتقطعا. المطلوب انتقال سريع من "الإغاثة المتفرقة" إلى منظومة إمداد منتظمة تُسندها رقابة صحية وتمويل مرن يتكيف مع الواقع الميداني.
هل ترى أن المساعدات الغذائية الحالية تُدار بطريقة فعّالة وعادلة؟ وما التحديات المتعلقة بالوصول، والتوزيع، والاستهداف الصحيح للأسر الأشد احتياجا؟
المساعدات الغذائية التي تصل إلى غزة تُدار في ظروف بالغة التعقيد، وهو ما يجعل فعاليتها وعدالتها نسبية أكثر منها مطلقة؛ فهناك جهود كبيرة تبذلها المنظمات الإنسانية لضمان وصول الغذاء إلى أكبر عدد ممكن من الأسر، لكن حجم الاحتياجات الهائل والقيود المفروضة على الدخول والتوزيع يحدّان من القدرة على تحقيق العدالة الكاملة في الاستهداف.
أبرز التحديات تتمثل أولا في الوصول، حيث تواجه القوافل الإنسانية عراقيل إدارية وأمنية تؤخر أو تمنع دخول المواد الغذائية، ما يؤدي إلى انقطاع الإمدادات بشكل متكرر. ثانيا، هناك تحديات في التوزيع داخل القطاع نفسه؛ إذ إن ضعف البنية التحتية وانقطاع الكهرباء والمياه يعقّد عمليات التخزين والنقل، ويجعل بعض المناطق أكثر عزلة من غيرها. ثالثا، يبرز تحدي الاستهداف الصحيح للأسر الأشد احتياجا، حيث يصعب في ظل النزوح الجماعي وتغير أماكن الإقامة تحديد الفئات الأكثر هشاشة بدقة، ما قد يؤدي إلى فجوات أو ازدواجية في التغطية.
إن إدارة المساعدات الغذائية في غزة تبقى جهدا إنسانيا ضخما، لكنه محكوم بقيود ميدانية وسياسية، تجعل من الصعب ضمان الفعالية والعدالة بشكل كامل، وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق الدولي، وتوسيع آليات الرقابة المجتمعية، وتوفير وصول آمن ومستمر للمواد الغذائية.
برأيكم، ما الأولويات الاستراتيجية لإعادة بناء منظومة الأمن الغذائي في غزة بعد انتهاء النزاع، خاصة في الجانب الزراعي؟ وهل يمكن لقطاع غزة التعافي زراعيا في المدى القصير؟
دعني ابدأ بالشق الأول الذي يتعلق بالأولويات الاستراتيجية لإعادة بناء منظومة الأمن الغذائي في غزة بعد النزاع:
إعادة بناء الأمن الغذائي تبدأ باستعادة القدرة المحلية على الإنتاج مع ضمان تدفق آمن ومنتظم للمدخلات. الأولوية الأولى هي فتح ممرات موثوقة لإدخال الوقود، البذور المعتمدة، الأسمدة، معدات الري ومواد إعادة التأهيل، ضمن ترتيبات إنسانية محايدة تحمي سلاسل الإمداد. بالتوازي، يلزم برنامج عاجل لإصلاح الآبار وشبكات الري، إزالة المخلفات والذخائر غير المنفجرة من الأراضي الزراعية، وإعادة تسوية التربة المتضررة بالتجريف والملوحة.
ثانيا، إعادة تشغيل سلاسل القيمة القصيرة عبر دعم المزارعين الصغار مباشرة بمنح مدخلات وأدوات، وتأهيل البيوت البلاستيكية، ومرافق التخزين والتبريد، مع تمويل تشغيلي للمطاحن والمخابز والمسالخ المحلية. يترافق ذلك مع استعادة الأسواق المحلية من خلال تحويلات نقدية أو قسائم غذائية تُنشّط الطلب، وتعاقدات شراء مضمونة من المنتجين المحليين لضمان تصريف المحاصيل.
ثالثا، التركيز التغذوي: تحويل سلال المساعدات نحو البروتينات والدهون الأساسية والمغذيات الدقيقة، وتوسيع برامج التغذية العلاجية والوقائية للأطفال دون الخامسة، والحوامل والمرضعات، وربطها بإنتاج محلي سريع للدواجن والبيض والخضروات الورقية حيثما أمكن. كما يجب إدماج المياه والصرف الصحي وسلامة الغذاء في كل تدخل، لأن جودة المياه والطاقة شرط لاستدامة التخزين والطهي.
رابعا، حوكمة وتنظيم: إنشاء وحدة تنسيق عملياتية مشتركة (إنسانية–زراعية–لوجستية) تصدر مؤشرات يومية للتدفق والإنتاج والأسعار، وتفعّل آليات شكاوى مجتمعية ورقابة صحية على نقاط التوزيع والمخازن والمخابز، مع خطة شفافة للأولويات الجغرافية والفئات الأشد هشاشة.
أما بخصوص الشق الثاني من السؤال المتعلق بإمكانات التعافي الزراعي في المدى القصير، فإن التعافي الزراعي في المدى القصير ممكن جزئيا وبصورة انتقائية إذا توفرت ثلاثة شروط: وصول ثابت للمدخلات والوقود، أمن ميداني نسبي يسمح بالوصول إلى الحقول، وقدرة تشغيلية للبنية الأساسية.
يمكن خلال 8–12 أسبوعا استعادة إنتاج محدود من الخضروات السريعة (ورقيات، خيار، كوسا) داخل البيوت البلاستيكية المُعاد تأهيلها، وإطلاق دورات دجاج بيّاض ولحوم صغيرة، وإحياء زراعة محاصيل قصيرة الدورة حيثما تتوافر مياه ري، لكن الوصول إلى مستويات ما قبل النزاع في اللحوم، الألبان، والحبوب سيحتاج إلى أفق أطول وإعادة تأهيل عميقة للآبار، الأعلاف، ومرافق التخزين والتبريد.
اظهار أخبار متعلقة
كيف يمكن للمنظمات الدولية دعم المزارعين والمنتجين في غزة لاستعادة قدرتهم الإنتاجية سريعا؟ وهل هناك برامج جاهزة يمكن تنفيذها مباشرة بعد وقف إطلاق النار؟
إن استعادة القدرة الإنتاجية للمزارعين والمنتجين في غزة بعد وقف إطلاق النار يتطلب تدخلا سريعا ومنظما، وهو دور منوط بالمنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) التي تمتلك الخبرة والبرامج الجاهزة في هذا المجال.
الأولوية الأولى هي إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية الأساسية: إصلاح الآبار وشبكات الري، إعادة بناء البيوت البلاستيكية، وتوفير البذور والأسمدة والأدوات الزراعية بشكل عاجل. هذه التدخلات تقع ضمن برامج الطوارئ التي تديرها الفاو عادة في مناطق النزاع، حيث يتم تزويد المزارعين بحزم مدخلات إنتاجية سريعة لإعادة تشغيل الدورة الزراعية.
ثانيا، هناك حاجة إلى برامج دعم مباشر للمزارعين الصغار عبر منح عاجلة أو قسائم مدخلات، إضافة إلى إعادة تشغيل سلاسل القيمة القصيرة مثل إنتاج الخضروات الورقية والدواجن والبيض، وهي أنشطة يمكن أن تُستعاد خلال أسابيع قليلة إذا توفرت المدخلات والوقود. "الفاو" تمتلك بالفعل نماذج جاهزة لهذه التدخلات، مثل "برامج إعادة الإحياء الزراعي السريع" التي نُفذت في العراق وسوريا واليمن، ويمكن تكييفها مباشرة مع واقع غزة.
ثالثا، يتطلب الأمر إعادة تشغيل مرافق التخزين والتبريد والمطاحن والمخابز بدعم تقني ومالي، وهو ما يدخل ضمن اختصاص "الفاو" في ربط الإنتاج المحلي بالأسواق وضمان استمرارية سلاسل الإمداد. كما أن "الفاو" قادرة على إطلاق برامج تغذية علاجية ووقائية للفئات الأكثر هشاشة - الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات - بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي، لضمان أن التعافي الزراعي يترافق مع معالجة سوء التغذية.
إن "الفاو"، باعتبارها المنظمة الأممية المختصة بالزراعة والأمن الغذائي، تمتلك برامج جاهزة للتنفيذ فور وقف إطلاق النار، تبدأ بمدخلات إنتاجية عاجلة، مرورا بإعادة تأهيل البنية التحتية، وصولا إلى دعم الأسواق المحلية وربطها بالإنتاج. هذه التدخلات يمكن أن تُعيد الحياة للقطاع الزراعي في غزة خلال أشهر قليلة، إذا ما توفرت الممرات الآمنة والتمويل الدولي الكافي.
ما خطورة منح الاحتلال 30% من تصاريح إدخال الشاحنات للقطاع الخاص بدلا من الجهات الإنسانية؟ وكيف يؤثر هذا على قدرة الفقراء على الوصول إلى الغذاء؟
منح الاحتلال 30% من تصاريح إدخال الشاحنات للقطاع الخاص بدلا من الجهات الإنسانية يُعد خطوة بالغة الخطورة، لأنه يحوّل جزءا من التدفق الغذائي المحدود أصلا من مسار الإغاثة المجانية إلى مسار تجاري ربحي. هذا يعني أن المواد الغذائية التي كان يفترض أن تصل مباشرة إلى الأسر الأشد احتياجا عبر المنظمات الإنسانية ستدخل الأسواق بأسعار مرتفعة، في وقت يعاني فيه معظم السكان من انعدام الدخل وارتفاع معدلات البطالة.
الوجه السلبي لهذا الترتيب يتجلى في أنه يأخذ فعليا من حصة معونات الإغاثة المخصصة للمستحقين، ويحوّلها إلى سلعة لا يستطيع الفقراء الوصول إليها؛ فالأسر التي تعتمد كليا على المساعدات الغذائية لن تتمكن من شراء هذه المواد، ما يوسع فجوة العدالة في التوزيع ويزيد من التفاوت بين من يملك القدرة الشرائية المحدودة ومن لا يملكها إطلاقا.
إضافة إلى ذلك، فإن إدخال القطاع الخاص في ظل غياب رقابة فعّالة يفتح الباب أمام المضاربة والاحتكار، ويجعل الغذاء أداة ضغط اقتصادي بدلا من أن يكون حقا إنسانيا مكفولا. النتيجة هي إضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي للفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال والنساء والمرضى.
الخلاصة أن تحويل جزء من التصاريح إلى القطاع الخاص في ظل هذه الظروف لا يخفف الأزمة، بل يضاعفها، لأنه يقلل من حجم الإغاثة المجانية المتاحة ويجعل الغذاء بعيد المنال عن الفقراء الذين فقدوا مصادر دخلهم.
إلى أي مدى يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني داخل غزة أن يلعبا دورا في تخفيف الأزمة الغذائية، رغم الظروف المعقدة؟
رغم الظروف المعقدة التي يعيشها قطاع غزة، يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني أن يلعبا دورا مهما في تخفيف الأزمة الغذائية، لكن هذا الدور يبقى مكمّلا لما تقوم به المنظمات الدولية، وليس بديلا عنها؛ فالمنظمات الإنسانية تمتلك القدرة على إدخال المواد الغذائية بكميات كبيرة وضمان وصولها للفئات الأكثر هشاشة، بينما يستطيع القطاع الخاص والمجتمع المدني أن يسدّ بعض الثغرات عبر شبكات محلية أكثر مرونة وقربا من الناس.
القطاع الخاص، إذا أُتيح له العمل ضمن بيئة منظمة وشفافة، يمكن أن يساهم في إعادة تشغيل الأفران والمطابخ الصغيرة، وتوفير خدمات النقل والتوزيع، وإحياء الأسواق المحلية ولو بشكل محدود، لكن هذا يتطلب رقابة صارمة لمنع الاحتكار والمضاربة، وضمان أن الأسعار تبقى في متناول الفقراء الذين فقدوا مصادر دخلهم.
أما المجتمع المدني، فدوره أساسي في الوصول المباشر إلى الأسر الأشد احتياجا، وتنظيم مبادرات مجتمعية مثل المطابخ الجماعية، شبكات المتطوعين، وتوزيع المساعدات على نطاقات صغيرة يصعب على المنظمات الدولية تغطيتها. كما يمكنه أن يكون حلقة وصل بين السكان والجهات الإنسانية، عبر رصد الاحتياجات وتقديم بيانات دقيقة تساعد على الاستهداف الصحيح.
إن مساهمة القطاع الخاص والمجتمع المدني داخل غزة، رغم محدوديتها، تُعد عنصرا مكملا لجهود "الفاو" والمنظمات الدولية، وتساعد على تعزيز الفعالية والعدالة في توزيع الغذاء، بشرط أن تُدار هذه الأدوار ضمن إطار من التنسيق والرقابة يضمن أن الأولوية تبقى للفقراء والمستضعفين.
ذكرت سابقا أن غزة تحتاج إلى أكثر من 600 شاحنة يوميا وليس فقط العودة إلى الرقم القديم.. فما هو الرقم الواقعي المطلوب حاليا لإنقاذ الوضع الإنساني؟ وهل هناك خطة أممية لتحقيقه؟
تشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى أن غزة تحتاج حاليا إلى ما بين 500 و600 شاحنة يوميا على الأقل لإنقاذ الوضع الإنساني، وهو رقم يتجاوز بكثير ما يدخل فعليا (أقل من 100 شاحنة يوميا)، وهناك بالفعل خطة أممية جاهزة لإدخال آلاف الشاحنات بشكل منظم، لكن التنفيذ يظل معلقا على السماح السياسي والأمني.
الرقم الواقعي المطلوب:
• قبل الحرب، كان يدخل إلى غزة نحو 500–600 شاحنة يوميا لتغطية الاحتياجات الأساسية، إضافة لما تنتجه غزة من أسماك وألبان ولحوم وخضروات وغيرها.
• بعد الحرب، ومع تدمير البنية التحتية وارتفاع معدلات النزوح والفقر، ارتفع الاحتياج إلى أكثر من 600 شاحنة يوميا، لأن السكان فقدوا القدرة على الإنتاج المحلي وأصبحوا يعتمدون بالكامل على المساعدات.
• حاليا، لا يدخل سوى 40–100 شاحنة يوميا، وهو أقل من 20% من المطلوب، ما يفسّر اتساع فجوة الغذاء والدواء.