مقابلات

هل قام النظام العربي الرسمي بما يجب لوقف الإبادة في غزة؟.. خبير يجيب

أكد الزويري أن المشكلة الأساسية أن السردية التي صُنعت حول السابع من أكتوبر هي سردية ظالمة ومتحيزة- موقعه الشخصي
كثير ما تساءل الغزيون خلال العدوان والإبادة المستمرة ضد قطاع غزة عن موقف العرب وتحديدا الأنظمة الرسمية، عن أين هي ولماذا لا يرون منها تحركا جديا وحازما لمنع قتل الشعب الفلسطيني الذي يرزخ تحت احتلال وحصار منذ عقود.

وعلى الرغم من قيام بعض الأنظمة العربية ببعض التحركات "لوقف المجزرة"، فإن قطاعا عريضا من الشارع العربي والفلسطيني يرى أن هذه الأنظمة لم تقم بما عليها من واجب حماية الشعب الفلسطيني ووقف الإبادة ضده في غزة.

ولتحليل المشهد والموقف العربي الرسمي برمته منذ 7 أكتوبر التقت "عربي21" بأستاذ التاريخ وسياسة الشرق الأوسط في جامعة قطر د. محجوب الزويري، في حوار خاص لمعرفة ما إذا كان هناك أوراق ضغط يمتلكها النظام العربي وهل استخدمها أم لا؟

وقال الزويري في حواره مع "عربي21" إن "جزءا من النظام الرسمي العربي يرى أن هذه الحرب برمتها بدأتها حركة حماس، وبالتالي فإن موقفه من الحرب كان نابعا من الموقف منها وبربطه الحركة بالإسلام السياسي".

ويرى أن حتى ما يُسمى محور المقاومة لم يقم بما يجب لوقف الحرب، وأصلا لم يبق منه من يفعل شيئا سوى قيام "الحوثي" ببعض التحركات والضربات هنا وهناك.

وأما عن دور الوسطاء العرب فقال الزويري، إن الوسيط في النهاية يريد منع الكارثة والقتل في الشعب الفلسطيني، ولا يمكنه فعل شيء ما لم يوافق طرفا الصراع.

وتاليا نص الحوار كاملا:

- ما هي أوراق الضغط التي يمتلكها النظام العربي لوقف الحرب على غزة ولم يستخدمها؟ وهل هو يملكها أصلا؟

أعتقد بأن جزءا من النظام الرسمي العربي يرى أن هذه الحرب برمتها بدأتها حركة حماس، وهذه الأطراف أصلا في معظمها لا تريد الحركة، وبالتالي فإن أي موقف تتخذه هو مُرتهن لموقفها الأصلي منها وبربطها الحركة بالإسلام السياسي.

وبالتالي فإن سيد الموقف سيكون هو التردد والمُضي خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف.. الخطوة إلى الأمام هي ضغط الشارع على هذه الحكومات بسبب القتل في الشعب الفلسطيني، أما الخطوة إلى الخلف فهي أنهم مقتنعون بأن الطرف الذي يرونه بدأ المواجهة في 7 أكتوبر هو حركة حماس وليس أن هناك احتلالا عمره 75 سنة، وبالتالي هو المسؤول عن هذا الموضوع.

وهم يرون أن أي حالة من الموقف القوي الصارم المؤيد قد يُفسر غربيا وأمريكيا أنه تأييد لحماس وهم لا يريدون ذلك، وبالتالي فالموقف بمجمله هو موقف عدم اليقين والتردد والحد الأدنى، هذه ثلاثة مفاتيح أساسية، يعني عمليا هذا ما يمكن أن يُقدم للشعب الفلسطيني ومتابعة المذبحة.

وفي ما يخص أوراق الضغط عمليا فهي ليست لديهم، وعن أي أوراق نتكلم؟ الدول التي لديها اتفاقيات مع إسرائيل لا تريد استخدام هذه الأوراق، والدول الأخرى لديها حساباتها في العلاقة مع الولايات المتحدة.

وكما قلت، فإن جوهر القضية الأساسية أنهم يكرهون الحركة التي يرون أنها هي من بدأ السابع من أكتوبر، هم في معظمهم ربما لا يصرحون عن ذلك، لكن بالتأكيد لا يحبون أن يروا حركة حماس منتصرة بأي حال من الأحوال أو أن تقوم لها قائمة.

وتحليلي للمشهد المتطور منذ 7 أكتوبر، أرى أن هناك تصورا منتشرا في الغرب والشرق أن لدى هذا الجزء من النظام الرسمي رغبة برؤية نهاية لهذه الحركة في غزة بشكل كامل.

وبالتالي فإن الموقف سيكون سيد التردد وهذا ما تستفيد منه "إسرائيل"، بمعنى: ما الذي يمنحها القوة؟ هي ليست قوتها بل الذي يمنحها القوة هو أولا تردد الموقف الدولي بما فيه الولايات المتحدة واتباعها سياسة القيادة من الخلف، وترك الآخرين يلعبون الأدوار القذرة.

الأمر الثاني، أن جزءا من النظام الرسمي العربي لديه مشكلة مع طرف فلسطيني معين ولا يريد أن تقوم له قائمة، هذه هي الصراحة والموقف العلني، وهذا هو الموقف الحقيقي الذي لا يُعبر عنه، هذا هو السبب لأنهم ببساطة لا يريدون أي محاولة لإعطاء استشعار بأن هناك نجاحا أو نصرا يعني أن حركة حماس انتصرت، وهناك كراهية ورفض لهذه الحركة أصلا.

- إذن هل يمكن القول إن أطرافا من النظام العربي الرسمي لا تريد منح حركة حماس الشرعية؟
نعم بالطبع، بمعنى أنك أنت عندما ترفض كل شيء فأنت عمليا كأنك تقول بأنها جماعة مرفوضة وتقدمها على أساس ذلك، أليس هناك أصوات داخل الفلسطينيين أنفسهم تعتبر ما حصل في 7 أكتوبر هو أن حماس هي سبب قتل الفلسطينيين، ألم نسمع ونرى تقارير بهذا الموضوع وأن هناك مسؤولين فلسطينيين يرون أن حماس هي سبب ما حصل؟!

- لكن على المستوى الشعبي، برأيك هل قامت الشعوب العربية بما هو مأمول منها لوقف العدوان على قطاع غزة، وهل هي أصلا تملك أوراق ضغط على أنظمتها؟
الحقيقة أنه جرت شيطنة حركة حماس، وبالتالي ببساطة عندما تشيطنها وتعتبرها جماعة مرفوضة، إذن فإن من سيتظاهر من أجلها سيصبح مُتهما بأنه يتظاهر معها وبالتالي سيظهر وكأنه يتظاهر مع القاعدة، من سيتظاهر مع القاعدة؟ لا أحد.

وواضح تماما أن "إسرائيل" بدأت هذه الشيطنة وأمريكا عكستها، وفي المنطقة أيضا هناك حالة من الشيطنة الواضحة للحركة، وبالتالي فالرأي العام العربي – والذي هو أصلا غير موجود حيث تمت إزالته منذ 80 عاما وتم صنعه على أن يقول سمعا وطاعة – ليس عنده موقف ولا قدرة على دفع الأثمان.

أيضا أي موقف يجب أن يكون له ثمن، والرأي العام العربي برمته غير مستعد لدفع أي ثمن بأي حال من الأحوال، وبالتالي فهذا يعطي مُبررا أو يوضح أنه عندما يتظاهر الناس فإنهم يتظاهرون بخجل وبمجموعات صغيرة جدا.

هذا يجعل النظرة العامة أن هذه الجماعة مرفوضة وما قامت به مرفوض على الأقل أمام الرأي العام، رغم معرفة أصحاب القرار أن هذا غير صحيح، ورغم يقينهم بأن هناك مستوى من الغضب كبيرا جدا، والله وحده يعلم متى هذا الغضب سينفجر، لكن ما هو واضح تماما أن هناك شيطنة للحركة.

ولا أحد يريد أن يدفع ثمنا أو أن يقول إنه يدعم غزة، لأن دعمه هذا سيُفسر بأنه دعم لحركة حماس، وبالتالي فهو سيكون في مربع الشياطين الذين عليهم أن يُعاقبوا لأنهم يؤيدون جماعة قتلت الفلسطينيين.

المشكلة الأساسية أن السردية التي صُنعت حول السابع من أكتوبر هي سردية ظالمة ومتحيزة بكل الأدوات للظالم وأعوانه، وما لم تُعدل هذه السردية فلن يتغير شيء.

في ما يخص "محور المقاومة" برأيك هل يمكن القول إنه بعد سقوط نظام الأسد وبعد الحرب على لبنان فقد ضعف موقفه المؤيد والداعم للقضية الفلسطينية؟


أولا محور المقاومة هو من السرديات التي بُنيت من أجل هدف سياسي محدد وواضح، وهو القول بأن الفلسطينيين لا يجيدون الدفاع عن أنفسهم، وإنما هم يريدون من يذكرهم بأنهم محتلون.

وفكرة محور المقاومة هي أيضا "فكرة حقيرة"، لأنها عمليا تريد القول إن الفلسطينيين شعب ليس عنده كرامة لا يشعر بالاحتلال، وهو يحتاج لأناس يتصلون به ويقولون: يا ابن غزة أو ابن طولكرم وجنين، أنت تحت الاحتلال قم وقاوم.. وهذه فكرة قذرة، الناس يعرفون أنهم تحت الاحتلال وفكرة ربط هذا بمحور المقاومة تظهر وكأن الفلسطيني غير رافض لواقع وجود الاحتلال، وهذا غير صحيح.

مثلا نظام الأسد الذي كان يُحسب على محور المقاومة عرفنا منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر بالوثائق وبالمعلومات كم كان ضد الفلسطينيين وكم قتل منهم في اليرموك وجوبر وغيرها، الآن لدينا كثير من المعلومات والبيانات الصحيحة، إذن أين كان محور المقاومة من هذا؟!.

أيضا عرفنا أن حزب الله كان يعرف أن الفلسطينيين يُقتلون في لبنان وسوريا، فماذا فعل؟ كل هذه السردية تحتاج إلى أن تُنسف نسفا، هذا كلام لعب بوعي الناس، محور المقاومة صنيعة وكان يُراد به القول بأن الفلسطينيين يقبلون الاحتلال وغيرهم يريد أن يوقظهم، هذه أكذوبة، الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال ويعرفون أنهم محتلون ويفكرون بالدفاع عن أنفسهم وفق ما يرونه من إمكانات.

لذلك فإنه بالنسبة لمحور المقاومة سقوط الأسد باعتقادي لا يعني الكثير، هو فقط أضر بمصلحة إيران بأنه قطع عليها خط تواصل مع حزب الله، والحزب في حد ذاته استفاد من شرعية القضية الفلسطينية.
حزب الله كان يستمد شرعيته في لبنان من فكرة التقسيم المذهبي، وأراد أن يُعطى شرعية من القضية الفلسطينية والتكسب منها وهو تكسب منها فعلا حتى فترة مؤقتة، ولكنه عندما تم ضربه بقسوة قبل باتفاق الهدنة ووقع مع الإسرائيليين.

والآن ما بقي عمليا أي نوع من ما يسمى بمحور المقاومة.. فقط ما يقوم به أنصار الله الحوثيون، وهذه أيضا هي جزء من محاولة لاكتساب شرعية خارجية لأن الحوثي الذي يقطع الطريق على اليمنيين داخل اليمن ويمنعهم ويحاربهم يريد أن يحرر فلسطين؟! كلها مقولات مقلوبة بطريقة تجعل الإنسان العاقل يُصاب بالجنون.

بالتالي، فإنه ما من شخص يستشعر ويدفع الثمن سوى الفلسطينيين في غزة وجنين، هم الذين تحت الاحتلال، أما البقية فهم متفرجون قد يدعمونهم بتصريح من هنا وهناك ولكن هذا لن يغير من الحقيقة في شيء، الحقيقة أن الفلسطينيين هم تحت الضغط والنار وغيرهم في الكثير يلعب دور المتفرج أو أسوأ من ذلك أنهم يقومون بشيطنة ما يفعله الفلسطينيون المقاومون.

برأيك هل قامت دول الوساطة العربية بواجبها؟


الوسيط في جميع الأعراف حتى في العُرف القبلي يريد أن يمنع المصيبة والكارثة والقتل، لكن بالمحصلة فالوسيط لا يمتلك عصا موسى، إذا كان طرفا الوساطة أو أحدهما لا يريد الحل فلا يستطيع الوسيط فرض الوساطة.

نحن الآن أمام حكومة يمينية متطرفة أيديولوجيا ومتعصبة تؤمن بإبادة الفلسطينيين، وبالتالي فإنه حتى لو أعطيتها كل شيء فلن تقبله، وهي مستفيدة من ضعف النظام الرسمي العربي والصمت المطبق في العالم والقبول لسرديتها الشيطانية.

فهي صدرت سرديتها من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما زالت غالبية وسائل الإعلام الغربية والسياسيون الغربيون يكررونها، ولا تغيير ما لم تتغير السردية أو يحدث تغيير في "إسرائيل" أو أن يحصل شيء لا نتوقعه داخلها.

المشكلة أننا أمام حكومة تريد أكل الأخضر واليابس، بمعنى أنها تمارس كل ما تمارسه وهي تعتقد أنها تنتصر، لكن أقول كمؤرخ إنها لن تنتصر، وعلى العكس من ذلك فهي في طريقها إلى نتيجة سيئة بالنسبة لكل فكرة دولة الاحتلال.

ولكن ما نراه الآن هو ألم شديد يستشعره كل صاحب كرامة على قتل أهلنا في غزة أو في الضفة الغربية، لأن ما يحدث جريمة أمام عالم قذر وصامت ولا يقوم حتى بالحد الأدنى في أن يقوم بشيء ويوقف هذه الجريمة.